25 نيسان/أبريل 2019: تحول النزوح الجماعي الحالي للأفراد في جميع أنحاء العالم إلى أزمة تضامن مسيَّسة، فضلاً عن وجود سياسات الحدود المغلقة وتفاقم النزعة المعادية للأجانب ونزعات الشعبوية. وإن عرقلة ومضايقة سفن البحث والإنقاذ والمنظمات غير الحكومية التي تحاول بشكل قانوني متابعة أنشطتها يقفان في طريق كل الجهود المبذولة لإنقاذ أرواح الأشخاص المنكوبين في البحر الأبيض المتوسط. وينبغي أن تحترم الدول الإطار القانوني الدولي ولا سيما قانون البحار وأن تضطلع بمسؤولية في إنقاذ حياة المهاجرين واللاجئين.

تلك هي الاستنتاجات الرئيسية للحلقة النقاشية التي نظمها مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي بشأن الهجرة والتضامن الإنساني. وكان الحدث فرصة لمركز جنيف لإطلاق رسميًا أحدث إصداراته بعنوان "تصاعد أعداد الأشخاص المشردين داخلياً على نحو غير مسبوق" وهو يتناول أسباب الهجرة وعواقبها اليوم، بما في ذلك اللاجئون والمشردون داخلياً. وعقدت حلقة النقاش في 25 نيسان/أبريل 2019 في مكتب الأمم المتحدة في جنيف.

وكان جميع أعضاء الحلقة النقاشية خبراء من ذوي الخبرة المباشرة في أزمة المهاجرين واللاجئين، وسلطت بياناتهم الضوء على المشكلات الملموسة التي سُجلت أثناء عملهم على أرض الواقع، وذلك من خلال تنسيق عمليات الإنقاذ وتوزيع المساعدات أو توثيق الوضع وزيادة الوعي به.

وكان من بين أعضاء الحلقة النقاشية المونسنيور روبرت فيتيلو الأمين العام للجنة الدولية الكاثوليكية للهجرة؛ والسيد خوسيه بينافينتي رئيس الجمعية الفرنسية "طيارين متطوعين" Pilotes Volontaires؛ والسيدة جولي ميليشار المسؤولة عن الاتصالات وحشد المدنيين في جمعية SOS Méditerranée؛ والسيدة كاميل باجيلا صحفية في مجلة L’Illustré والسيد أدريا بودري كاربو صحفي في جريدة Le Temps في لوزان والحائزين على جائزة ACANU الأولى (رابطة المراسلين المعتمدين لدى الأمم المتحدة) في مجال تقديم التقارير عن قضايا حقوق الإنسان.

وألقى السفير إدريس الجزائري، المدير التنفيذي لمركز جنيف، ملاحظات افتتاحية وأدار الحلقة النقاشية.

وأعرب السفير الجزائري في كلمته الافتتاحية عن أسفه نظراً لاتجاه معظم الدول الأوروبية إلى تجنب المسؤولية عن الأرواح التي أُزهقت بسبب متلازمة "قلعة أوروبا". وأكد مدير مركز جنيف على الحاجة إلى التمييز من جهة بين أزمة الهجرة في حد ذاتها الناجمة عن الافتقار إلى الفرص الاقتصادية والفقر فضلاً عن التأثير السلبي لتغير المناخ على معيشة الناس، وأزمة اللاجئين من جهة أخرى التي نشأت أساسًا في الماضي بسبب الصراع والحرب وبشكل متزايد بسبب تغير المناخ. وأكد أن العامل الذي يدفع إلى تدفق اللاجئين هو من صنع الإنسان ويجب الاعتراف به على هذا النحو. وكرر التأكيد على أن الهجرة والنزوح كانا جزءًا لا يتجزأ من البشرية، وأن تدفقات الهجرة الحالية يطلق عليها صفة "أزمة" خاصة من خلال الروايات القومية المفبركة.

وعلاوة على ذلك، أشار السفير الجزائري إلى أن البحر الأبيض المتوسط قد تحول إلى مقبرة مائية، نقلاً عن إحصائيات عالمية للمنظمة الدولية للهجرة أفادت بأن أكثر من 3400 مهاجر ولاجئ قد فقدوا حياتهم في عام 2018. وما لا يقل عن 2،297 منهم قد وفتهم المنية في البحر المتوسط.

ورحب مدير مركز جنيف بتزايد عدد منظمات المجتمع المدني التي عزمت على التدخل وتوفير الحماية وإنقاذ حياة المهاجرين واللاجئين. وأثنى على منظمات الإنقاذ لما تبذله من جهود، على الرغم من تجريم عملها لإنقاذ الأرواح، ووصف عملها "بجنحة التضامن" المعروفة باسم "délit de solidarité" في اللغة الفرنسية.

وأعرب المونسنيور روبرت فيتيلو في بيانه عن أسفه للاتجاه المتزايد لبناء الجدران والحواجز التشريعية والإدارية بدلاً من تقديم التضامن في السياق الحالي المفعم بأحداث تخص السكان المشردين. وأشار في بيانه إلى رسالة البابا فرانسيس بمناسبة احتفال الكنيسة الكاثوليكية للمرة 104 باليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين في 14 كانون الثاني/يناير 2018. وأبرز قداسة البابا في خطابه القيادة الدينية والأخلاقية للكنيسة الكاثوليكية لتقديمها " الحب الأمومي لكل شخص أُجبر على مغادرة وطنه بحثًا عن مستقبل أفضل". وأعرب كذلك عن أسفه "للطرد الجماعي والتعسفي للمهاجرين واللاجئين، (...) لا سيما عندما يُعاد الأشخاص إلى بلدان لا يمكن أن تضمن لهم احترام كرامة الإنسان والحقوق الأساسية".

وأكد المونسنيور فيتيلو، مواصلاً الاقتباس من كلمات البابا فرانسيس، أن مشكلة انعدام الجنسية التي واجهها العديد من المهاجرين واللاجئين يمكن معالجتها بسهولة من خلال "اعتماد قانون الجنسية وفقًا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي". وأشار إلى أهمية التعاون مع المجتمعات السياسية والمجتمع المدني في هذا الشأن. وعرض أيضاً المونسنيور فيتيلو العمل المكثف الذي تقوم به اللجنة الدولية الكاثوليكية للهجرة، وينبع مصدر إلهامها منذ إنشائها في عام 1951 من التعاليم الكاثوليكية. واختتم ملاحظاته منادياً بقوة إلى تحسين استجابتهم للمهاجرين واللاجئين، مشيراً إلى أن "جميع البشر يتطلعون إلى حياة أفضل وأكثر ازدهارا ولا يمكن مواجهة التحدي الذي تفرضه الهجرة بطريقة تفكير قائمة على العنف وعدم المبالاة ولا يمكن مواجهته من خلال تقديم حلول جزئية فحسب".

ورداً على سؤال السفير الجزائري بشأن دور الزعماء الدينيين في هذه الأزمة، أبرز المونسنيور فيتيلو دورهم المحوري في التصدي للروايات السامة التي تخص الأشخاص المتنقلين، وأكد على أهمية الإرادة السياسية. وفي هذا الصدد، تحدث عن مثال أوغندا، وهو بلد صغير استقبل 300 ألف لاجئ من جنوب السودان.

والسيد خوسيه بينافينتي رئيس الجمعية الفرنسية للطيارين المتطوعين "Pilotes Volontaires" شجب في بيانه حالات الوفاة الناجمة عن طرق الهجرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وأشار كذلك إلى شهادات النازحين الذين مروا بليبيا للوصول إلى الأراضي الأوروبية ذاكرين الظروف غير الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان التي تشوب هذه الممرات، بما في ذلك التعذيب والإتجار بالبشر والاعتداء الجنسي.

ومن خلال خبرته العملية، قدم السيد بينافينتي وصفاً تفصيلياً لرحلات العبور في البحر الأبيض المتوسط التي غالباً ما تكون خطيرة ونابعة عن خطط مرتجلة وغالباً ما تكون في مراكب خشبية أو قابلة للنفخ. وأكد أيضاً على الحمولات الزائدة على المراكب وخطر الاختناق من أبخرة الوقود ونقص الطعام والمياه. وعلاوة على ذلك، أكد على أنه في الوقت الحالي عندما تنطلق هذه المراكب في أعالي البحار، يبدأ العد التنازلي لحياة اللاجئين والمهاجرين على متنها. وقال إنه كثيراً ما تصل سفن الإنقاذ متأخرة لتجد حطام مراكب شبه طائفة على سطح الماء وتعجز إذاً على العثور على أي ناجٍ. وفي هذا الصدد، أنشأ السيد بينافينتي وشريكه جمعية Pilotes Volontaires للاستجابة إلى الحاجة إلى تحديد سريعاً الأشخاص المعرضين للخطر في أعراض البحر من خلال المراقبة الجوية. فهم يطيرون فوق جزء معين من المياه الدولية قبالة ساحل ليبيا، حيثما أكثر من 20 ألف شخص أُزهقت أرواحهم خلال الأربع سنوات الفائتة.

وشدد السيد بينافينتي أيضاً على أنه في عام 2018، عثرت جمعية Pilotes Volontaires بالشراكة مع سفن البحث والإنقاذ على 45 مركباً وأنقذت أكثر من 4000 شخص. واختتم بيانه مشدداً على حاجة الجمعية الملحة لتمويلات أعلى وتبرعات من أجل استكمال عمليات الإنقاذ. ونادى أخيراً المجتمع الدولي لبذل جهود متضافرة لضمان سير عمليات الإنقاذ بفاعلية وعلى وتيرة سريعة في إطار احترام كامل للقانون البحري الدولي الذي ينص على نزول الناجين في ميناء آمن.

وسلطت السيدة جولي ميليشار من جمعية SOS Méditerranée الضوء على عمل الجمعية المذكورة، مشيرة إلى أنه منذ إطلاق عمليات البحث والإنقاذ، رحبت سفينة Aquarius بأكثر من 29،532 ناجًا على متنها. ووفقا للسيدة ميليشار، كانت أهداف المنظمة تتكون من ثلاثة عناصر: الإنقاذ والحماية والإدلاء بالشهادة.

ورددت السيدة ميليشار، مرددة مخاوف المشاركين السابقين في الحلقة النقاشية، الخسائر المتزايدة في الأرواح في عرض البحر نتيجةً لنقص قدرات الإنقاذ و "الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي وقانون البحار". وأعربت عن أسفها لاستمرار قيام الحكومات الأوروبية بعرقلة المنظمات غير الحكومية ومضايقتها لعمليات البحث والإنقاذ. وفي هذا الصدد، أشارت السيدة ميليشار إلى أنه في هذه اللحظة، تُمنع جميع سفن الإنقاذ للمنظمات غير الحكومية تقريبًا من مغادرة الموانئ الأوروبية، وحينئذ يموت مئات الأشخاص غرقًا في عرض البحر أو يُرحلون بصورة غير قانونية ويتعرضون، من ثم، لظروف غير إنسانية.

وعلاوة على ذلك، سردت السيدة ميليشار تجربتها خلال المواجهة الأولى لسفينة Aquarius في عام 2018. كما هو الحال مع سفن الإنقاذ الأخرى، سقطت سفينة Aquarius ضحية التلاعب السياسي وجُردت من رخصة تنقل السفينة وعُرقلت مسيرتها في مختلف الموانئ في شمال البحر الأبيض المتوسط عام 2018، حتى توقفت أنشطتها بالكامل في نهاية العام الماضي.

وشجبت السيدة ميليشار تصرفات منطقة البحث والإنقاذ الليبية المنشأة بموجب إعلان مالطا الذي وُقع عليه في شباط/فبراير 2017. وأشارت إلى أنه يتعين على المنظمات غير الحكومية متابعة دورها في الإدلاء بشهاداتها وإدانة هذه الانتهاكات للقانون البحري. وفيما يتعلق بجنحة التضامن، لاحظت أن جميع التحقيقات القانونية تقريباً التي أُجريت ضد العاملين في المجال الإنساني في سياق الأزمة قد أُلغيت بسبب نقص الأدلة، بما أن المنظمات غير الحكومية كانت تعمل محترمة احتراماً تاماً الإطار القانوني. وأخيراً، اختتمت بيانها معربة عن استيائها "للموقف المتناقض الذي يتلخص في تعرض السفن الإنسانية المدنية، التي تجري عمليات البحث والإنقاذ القانونية وتستجيب لواجب تقديم المساعدة، للتجريم من جانب الدول التي لم تعد تدعم المعاهدات والاتفاقيات التي صدقت عليها."

وسرد كل من الصحفية كاميل باجيلا من مجلة "L’illustré" والصحفي أدريا بودري من جريدة "Le temps" تجربتهما على متن سفينة Aquarius في عام 2018، وقد تجلت تجربتهما من خلال تغطية شاملة مشتركة بعنوان "Piège en haute mer" أو "فخٌ في أعالي البحار" والتي فازت بجائزة ACANU في مجال تقديم التقارير عن قضايا حقوق الإنسان. ودارت مهمة توثيق الصحافيين في سياق الانتخابات الإيطالية في الربيع الماضي، وعلى خلفية الاتجاه الشعبوي المتزايد، حينما تعهد السياسيون الأوروبيون بعرقلة أنشطة السفن الإنسانية في البحر الأبيض المتوسط. ووصف السيد بودري مختلف محاولات سفن خفر السواحل الليبية لمضايقة وعرقلة عمليات إنقاذ سفينة Aquarius.

وعلى المنوال ذاته، وصفت السيدة باجيلا مجهودًا مشتركًا تم بين سفينة Aquarius وسفينة Astral التابعة لمنظمة Proactiva Openarms غير الحكومية، حينما نقلوا أكثر من 100 شخص كانوا معرضين للخطر، إلا أن مركز تنسيق الإنقاذ البحري في روما قد عرقل عملهم لساعات.

وأبرز بيانهما المشترك محاولات المضايقات المستمرة بفعل خفر السواحل الليبي، والتي غالباً ما تدعمها الدول الأوروبية هادفةً إلى عرقلة أعمال السفن الإنسانية. ولقد أدانا ممارسات التخويف التي يستخدمها الحرس الليبي، وكذلك استنكار الدول الأوروبية المحيطة للمسؤولية عن المهاجرين واللاجئين في البحر الأبيض المتوسط. وأعربوا عن أسفهم للظروف اللاإنسانية التي عبر فيها المهاجرون واللاجئون البحر وانعدام الأمن ونقص الإمدادات، وقد شهدوا على ذلك مباشرة خلال مهمتهم. وذَكَّرَت شهاداتهم الحزينة الحضور بأنه إلى جانب تسييس مسألة المهاجرين وأزمة اللاجئين، كانت هناك أزمة إنسانية مستمرة تحجبها الروايات الشعبوية.

وبالإشارة إلى سؤال من ميسر الحلقة النقاشية بشأن التضليل الإعلامي والروايات السامة، أفاد السيد بودري بأنه من الهام عدم محاربة ذلك، بل يجب التشجيع على صدور خطاب مضاد يدعو إلى التسامح والتضامن مُعزز بحقائق مجردة وأرقام. وأشار إلى أنه في إطار الانتخابات الإسبانية المقبلة، كان استبعاد الحزب اليميني المتطرف "فوكس" لم يجلب إلا النفع لهذا الحزب، لأنه لن يشارك في المناقشات العامة التي يمكن أن تدحض علناً خطابهم السام. وأشارت السيدة باجيلا أيضًا إلى دور وسائل الإعلام في توفير نظرة عامة موضوعية ومدروسة بدقة للأزمة، مصرةً على أهمية المصطلحات.

وفي جلسة الأسئلة والأجوبة، أضاف البروفيسور ميشيل فيوثي، نائب المراقب الدائم لمنظمة فرسان مالطة المستقلة، أنه من الهام اتخاذ تدابير وقائية من خلال ضمان الاندماج المتناغم للمهاجرين المحتملين في بلدانهم الأصلية، ومن ثم، تُحل حلاً جوهرياً النزاعات التي تكون مصدر هذه الأزمات المتعلقة بالهجرة (في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والساحل).

وأشارت ممثلة عن المنظمة النرويجية غير الحكومية للعدل والتنمية إلى النزاع الداخلي المستمر في ليبيا، ملاحظة أن قصف الجنرال خليفة حفتر لمراكز اللاجئين حول طرابلس أمرٌ غير مقبول. وطرح ممثل من اللجنة الدولية الكاثوليكية للهجرة مسألة مراقبة ومعالجة مشاكل الاتجار بالبشر المتأصلة في أزمة المهاجرين. ولاحظ السفير الجزائري أن الاتجار بالبشر أزمةٌ تندرج داخل أزمة اللاجئين واسعة النطاق، ولكن يجب معالجة هذه الأزمة من خلال قمع ممارسة الاتجار. وأضاف المونسنيور فيتيلو أن الاتجار بالبشر كان قضية كبيرة في حد ذاتها، وكان لا علاقة لها باللاجئين. وقالت السيدة ميليشار إنه من الصعب تحديد هوية ضحايا الاتجار بالبشر على متن سفن الإنقاذ، ولكن بُذلت جهود لتحديد فئات معينة من الأشخاص المستضعفين مثل القُصّر غير المصحوبين بذويهم وضحايا التعذيب والاعتداء الجنسي. وأشار أحد الحاضرين إلى الوضع في كولومبيا حيث زادت ديونه الوطنية لمساعدة اللاجئين الفنزويليين. وقال المونسنيور فيتيلو إن التضامن الدولي مقابل الأولويات الوطنية ليس مسألة "إما / أو"، بل مسألة توزيع مناسب للموارد بين الأولويات. وبالإشارة إلى كولومبيا، أضاف أنه خلال الأيام السابقة، استفاد اللاجئون الكولومبيون أيضًا من استضافة الفنزويليين لهم.

 

 

 

 

 

شارك هذا المقال في

أكتب تعليقًا

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.