12 آذار/مارس 2019-إن تعددية الأطراف يجب أن يكون حافزها الشعب. ويرتبط تفشي تيار الشعبوية الحالي في جميع أنحاء العالم ارتباطًا وثيقًا بشعور الاستبعاد والإقصاء بعيداً عن عمليات صنع القرار لدى عموم الأفراد على نطاق واسع.

وكانت هذه الاستنتاجات الرئيسية لحدث شارك في تنظيمه مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي ومكتبة مكتب الأمم المتحدة في جنيف بعنوان "القيادة في إطار تعددية الأطراف الحديثة".

ونُظم النقاش في 12 آذار/مارس 2019 في مكتب الأمم المتحدة في جنيف في قاعة المكتبة بقصر الأمم.

وفي الوقت الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف "بالذكرى المئوية للدبلوماسية المتعددة الأطراف في جنيف" بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس عصبة الأمم"، أصبح مبدأ تعددية الأطراف تحت وطأة ضغط كبير. وصارت فعالية المؤسسات العالمية وعملية صنع السياسات العالمية في موضع تساؤل مستمر بينما تضعف التحالفات. وفي ضوء ذلك، تطرق النقاش أثناء الحدث الذي نظمته في وقت حاسم مكتبة مكتب الأمم المتحدة في جنيف ومركز جنيف، إلى التعددية باعتبارها أكثر النهج منطقية فيما يتعلق بالتحديات التي يواجهها العالم في زمن العولمة سريع الوتيرة. ودرس المشاركون أثناء المناقشة المبادئ والأفكار التي تقوم عليها تعددية الأطراف في ظل خلفية معقدة تحفل بمسائل تتعلق بتغير المناخ وتطور التكنولوجيا ومستقبل الاقتصاد العالمي.

وفي كثير من الأحيان، وفي أثناء الفترات الانتقالية، تكون عملية استخلاص الدروس من الماضي طريقةً جيدةً للتوصل إلى حلول وإيجاد الإلهام الكافي للمضي قدمًا. وفي هذا السياق، اقترح مركز جنيف ومكتبة مكتب الأمم المتحدة في جنيف تنظيم نقاش في ضوء الإرث الذي خلَّفه شخصيتان عظيمتان ممثلتان لتعددية الأطراف ألا وهما بطرس بطرس غالي وموريس سترونج، كما هو مبين في كتابين أصدرهما المركز الأوروبي للسلام والتنمية (ECPD) في عام 2018، بعنوان إحياء ذكرى بطرس بطرس غالي، وإحياء ذكرى موريس سترونج. وأكدت حلقة النقاش على دور هاتين الشخصيتين البارزتين اللذين شكلا إطار الشؤون الدولية وتطرقا إلى التغيرات الطارئة على طبيعة القيادة في القرن الحادي والعشرين في ظل انتشار تعددية الأطراف الحديثة.

ونُظمت جلسة لتوقيع الكتابين مع السيد روبرتو سافيو، منسق المنشورات وصحفي والرئيس الفخري ورئيس مجلس الأمناء لوكالة إنتر برس سيرفيس (IPS).

وأدلى السيد مايكل مولر، مدير مكتب الأمم المتحدة في جنيف، بكلمة افتتاحية أكد فيها على أنه على الرغم من التحديات الخطيرة المستمرة المتمثلة في تغير المناخ وظاهرة عدم المساواة المتفشية والقضايا الصحية والصراع المستمر، إلا أن العالم في وضع أفضل اليوم من أي وقت مضى على مر التاريخ.

وأكد السيد مولر أن التعددية كانت في مفترق طرق اليوم. ووفقًا للمدير العام لمكتب الأمم المتحدة في جنيف، كان من الضروري معالجة أزمة الثقة التي تؤثر على المؤسسات الدولية وتحديد أدوار المنظمات الدولية والدول ذات السيادة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني بشكل أفضل في قيادة تعددية الأطراف.

واختتم السيد مولر ملاحظاته التمهيدية مقتبسًا من كوفي عنان قائلاً: "سواء كانت مهمتنا هي محاربة الفقر أو القضاء على انتشار المرض أو إنقاذ الأرواح البريئة من القتل الجماعي، لقد رأينا أننا لا نستطيع النجاح بدون قيادة قوية وانخراط الجميع."

وأُثريت المناقشات بفضل مشاركة الخبراء التالية أسماؤهم:

  • السيد روبرتو سافيو، منسق المنشورات وصحفي والرئيس الفخري ورئيس مجلس الأمناء لوكالة إنتر برس سيرفيس (IPS)،
  • سعادة السفيرة هالة حميد، السفيرة والممثلة الدائمة لجمهورية المالديف لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف.
  • البروفيسور توماس بيرستكر، أستاذ الأمن الدولي ومدير أبحاث السياسات بمعهد الدراسات العليا،

وكانت السيدة كوريين مومال فانيان، مديرة شعبة إدارة المؤتمرات في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، ميسرة المناقشة.

وأدلى المدير التنفيذي لمركز جنيف، السفير إدريس الجزائري، بملاحظات تمهيدية. واستعرض السفير الجزائري تطور التعاون المتعدد الأطراف بعد الحرب العالمية الثانية، آخذاً الأمم المتحدة كمثال على ذلك. وأوضح ذلك السفير الجزائري من خلال تجربته الخاصة كدبلوماسي جزائري ورئيس وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة. وفي هذا الصدد، أعرب عن تقديره الخاص للمدير التنفيذي السابق لليونيسيف جيم جرانت، الذي عين أودري هيبورن سفيرة له لقراءة الوثيقة الختامية للقمة العالمية المعنية بالنهوض الاقتصادي بالمرأة الريفية ونظمها السفير الجزائري بصفته رئيساً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية في جنيف في شباط/فبراير 1992 بحضور بطرس غالي وبمشاركة 64 سيدة أولى و20 وزيراً. وترأست هذه القمة الملكة فابيولا، ملكة بلجيكا.

وأكد السفير الجزائري على أن المناخ قد تغير كلياً خاصة حينما كان النظام المناخي تحكمه في السبعينيات روحٌ تعاونية. وناقش المدير التنفيذي أيضاً مفهوم "مسؤولية الحماية" المعروفة بتعبير "R2P" وما سُجل من سوء استخدام مفضياً إلى التلاعب بهذا المفهوم ليكون أداة لتغيير النظام بتوجيهات خارجية. وفي هذا الصدد، أكد على أن "عملية تسليح العمل الإنساني هي امتدادٌ جائرٌ لمفهوم مسؤولية الحماية".

وشدد السفير الجزائري في المقام الأخير على أهمية استيعاب أن التعددية يجب أن يكون حافزها الشعب. وأشار إلى أن تصاعد تيار الشعبوية الحالي في جميع أنحاء العالم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالشعور بالاستبعاد والإقصاء من عمليات صنع القرار لدى الأشخاص العاديين. وعلى هذا النحو، أكد مدير مركز جنيف على أن الحلول المتعلقة بتعددية أطراف الغد تكمن من جهة في "الخروج من المأزق الخاص بمجال عملية إصلاح مجلس الأمن" ومن جهة أخرى في تمكين المواطنين في كل أنحاء العالم من خلال إدماج الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني الموثوق بهم في الجنوب وليس في الشمال فقط.

 وأبدى السيد روبرتو سافيو في بيانه ملاحظةً تردد ما أفاد به السفير الجزائري عندما رحب بالأبطال الثلاث لتعددية الأطراف وهم جيم غرانت وبطرس غالي وموريس سترونج، مشيراً إلى أن تعددية الأطراف قد خاضت أزمة في الثمانينيات. ولقد تحدث إلى حد كبير عن إرث جيم غرانت الذي أنقذ ملايين الأطفال من الموت وبقي مع ذلك غير معروف إلى حد ما. وعلاوة على ذلك، وفقًا لبيان السيد سافيو، كان موريس سترونج طوال حياته المهنية يجمع بين قدراته في إدارة المؤسسات الخاصة وبصيرته كقائد تابع للأمم المتحدة. ورحب أيضاً بمشاركته الرائدة في مجالي البيئة والمناخ وبدوره الحاسم في مؤتمر ريو للبيئة عام 1992، الذي أطلق العنان لحراك شامل بشأن البيئة استمر في كيوتو وباريس.

وعلاوة على ذلك، أعاد السيد سافيو التأكيد على أنه من الضروري أن تقبل جميع البلدان حق البلدان الأخرى في أن يكون لها صوت متساو في المنتديات الدولية. ومن هذا المنطلق، أشار إلى أن نظام المناخ متعدد الأطراف قد عانى من تغييرٍ في المسار قد أدى إلى تفاقم عدم المساواة وتمهيد الطريق للحركات السياسية القومية والشعبية والمتطرفة. وأشار أيضاً إلى أن "محركي التاريخ هما الجشع والخوف".

وأفادت سعادة السفيرة هالة حميد أن تعددية الأطراف، بالنسبة لبلد صغير مثل جمهورية المالديف، هي أداة أساسية لضمان التعاون والعمل بشكل مشترك في مجالات السلام والأمن والشراكات الاقتصادية، وكذلك لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها. ووفقا للسفيرة هالة حميد، تتمكن البلدان الصغيرة من أن يكون لها صوت يُسمع على الساحة الدولية فقط من خلال التعاون المتعدد الأطراف.

وفي هذا الصدد، أشارت السفيرة والممثلة الدائمة لجمهورية المالديف إلى أن بلدها قد شارك مشاركة كبيرة في أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ولا سيما في تحديد ولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان والبيئة.

وأشارت السفيرة هالة حميد إلى أن جزر المالديف، فور حصولها على الاستقلال في عام 1965، أصبحت عضوًا في الأمم المتحدة. وأكدت كذلك على أهمية الحوار للقادة في مجال تعددية الأطراف، وخاصة للبلدان الصغيرة، الذين يحتاجون إلى أن يكونوا مثابرين وأن يَلْجَأُوا إلى القنوات الدبلوماسية الرسمية منها وبشكل متزايد غير الرسمية، من أجل طرح المسائل التي تهمهم في جدول الأعمال.

وقدَّم البروفيسور توماس بيرستكر تعددية الأطراف اليوم باعتبارها نقطة التقاء بين المنظمات الحكومية الدولية الرسمية، والمنظمات الحكومية الدولية غير الرسمية والمؤسسات عبر الوطنية أو عبر الحكومية وقد تزايد عدد هذه المؤسسات تزايداً هائلاً على مر السنين. وفي حين كانت الحوكمة الرسمية تقودها الدول الأعضاء، بناءً على المعاهدات الدولية وارتكازاً على القانون المحلي، كان العالم يشهد، حسب أقوال الأستاذ بيرستكر، على ظهور "نوع جديد من الحوكمة".

وخلص البروفيسور بيرستكر إلى أنه على الرغم من أن النوع الأول من الهياكل الرسمية المتعددة الأطراف يظل حاسمًا، لأنه يكمن في أساس التعددية، إلا أنه من الهام الاعتراف بالشبكات غير الحكومية الناشئة وأشكالها والعمل معها.

وأشار الأستاذ بيرستكر إلى أن العالم اليوم لا يفتقر بالضرورة إلى قادة جيدين. وأشار إلى ظهور قادة جدد بين الرواد مثل ملالا يوسفزي أو الناشطة الشابة السويدية في مجال المناخ جريتا ثونبيرغ. وإشارةً إلى الخصائص التي ينبغي أن يتمتع بها القادة اليوم، شدد على المرونة، بما في ذلك رؤية إمكانية تحقيق جميع أشكال الحوكمة والعمل بشكل متزامن في إطار مبادرات رسمية وغير رسمية، وكذلك القدرة على الاستماع للآخرين.

وخلال جلسة الأسئلة والأجوبة التي تلت ذلك النقاش، شدد ممثل عن برنامج متطوعي الأمم المتحدة الشباب على أهمية العمليات القائمة على المشاركة في مجال تعددية الأطراف وفهم قيمة القيادة الجماعية مقابل القيادة التقليدية، وتكوين الشبكات المتصلة بدلاً من تكوين التسلسلات الهرمية، والعمليات القائمة على التعاون بدلاً من اتباع النهج التنازلية. وأكد فرد آخر من الجمهور على أهمية تعددية الأطراف الشاملة وشدد على الحاجة إلى جلب المزيد من القيادات النسائية إلى صدارة المؤسسات والعمليات المتعددة الأطراف.

شارك هذا المقال في

أكتب تعليقًا

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.