جنيف، 7 آذار/مارس 2019-لا يوجد بلد في العالم له سجل مثالي فيما يخص حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، وهناك حاجة ملموسة لتحقيق التعاون والمساعي المشتركة من أجل الوصول إلى الهدف المشترك المتمثل في تمكين المرأة ووضع حد لعدم المساواة بين الجنسين. ويجب منح النساء المسلمات الحق في اختيار ما يرتدينه بحرية وما لا يرتدينه، فضلاً عن المشاركة في المجتمع بالكامل، سواء من خلال إدخالهن في سوق العمل أو ببساطة من خلال ممارسة الرياضة.

وكانت هذه هي الاستنتاجات الرئيسية للحلقة النقاشية التي نظمها مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي وقد عرض فيها كتابه عشية اليوم العالمي للمرأة. ونجحت هذه الحلقة في جمع مجموعة من الخبراء حول مواضيع تخص الجنسين والإسلاموفوبيا والإسلام. ونظم مركز جنيف الحلقة بعنوان "النساء المسلمات بين الصور النمطية والواقع: وجهة نظر موضوعية" في 7 آذار/مارس 2019، كحدث جانبي على هامش الدورة الأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وكانت الحلقة النقاشية بمثابة سانحة ملائمة لمركز جنيف لتقديم أحدث منشوراته حول موضوع الجنسين وحقوق المرأة بعنوان "حقوق المرأة في المنطقة العربية: بين الواقع والخرافات" وأيضاً منشور "إزالة الحجاب عن الحجاب: الحجاب في المسيحية والإسلام واليهودية" الصادر في شباط/فبراير 2019.

وركز المشاركون في عرضهم على استمرار عدم المساواة بين الجنسين معوقاً بذلك التمتع الكامل بحقوق المرأة في جميع أنحاء العالم، وسلطوا الضوء أيضاً على العداء للحجاب الذي يعد تعبيراً صريحاً على المستوى السياسي عن نزعة كراهية الأجانب على الساحة السياسية الغربية؛ وشددوا على تفاقم هذه النزعة على نحو مقلق. وأشاروا كذلك إلى عملية اعتماد تشريع تمييزي يهدف إلى تهميش المسلمين، وخاصة النساء اللواتي يخترن ارتداء الحجاب.

وضمت الحلقة النقاشية السيدة نسيمة باغلي، السفيرة والمراقبة الدائمة لمنظمة التعاون الإسلامي لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف؛ والدكتورة إليسا بانفي، الباحثة المساعدة في معهد دراسات المواطنة (InCite) في قسم العلوم السياسية بجامعة جنيف؛ والدكتور أمير دزيري، مدير المركز السويسري للإسلام والمجتمع في جامعة فريبورغ، سويسرا.

وألقى السفير إدريس الجزائري، المدير التنفيذي لمركز جنيف، ملاحظات افتتاحية وكان ميسراً للحلقة.

وأعرب السفير الجزائري في كلمته عن أسفه لتفاقم عمليات التلاعب السياسي مؤخراً خاصة فيما يتعلق بالحجاب في أوروبا ودول غربية أخرى. وأشار إلى القانون الجديد بشأن العلمانية الذي صوِّت عليه في شباط/فبراير 2019 في كانتون جنيف وأيضًا إلى تشريع آخر مماثل اعتُمد في أوروبا. وعلاوة على ذلك، أشار السفير الجزائري إلى الجدل الأخير المتعلق بغطاء الرأس الذي أنتجته علامة تجارية فرنسية خصيصاً للعدَّاءات المحجبات فسبب ذلك إدانة كبار المسؤولين لغطاء الرأس الرياضي هذا باعتباره متناقضاً مع القيم المُعْتَد بها في بلدهم.

وفي هذا الصدد، أكد المدير التنفيذي لمركز جنيف بالفعل أن حقوق الإنسان على النحو المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي حقوقٌ عالميةٌ. ويجب تطبيق شمولية هذه القيم على قدم المساواة ليس فقط على المجتمعات المسلمة والإسلامية ولكن أيضًا على الدول الأوروبية والغربية. ولذلك كان من المؤسف التذرع بالقيم الوطنية أو المحلية في محاولة لمنع المرأة من التمتع بحريتها على النحو المنصوص عليه في المادة 18 من الإعلان الذي ينص تحديداً على "لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة."

وعلاوة على ذلك، أشار السفير الجزائري، نقلاً عن التقرير العالمي حول الفجوة بين الجنسين في المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى استمرار وجود عدم المساواة بين الجنسين في المجتمعات حول العالم، بغض النظر عن الثقافة أو الدين أو الموقع الجغرافي. وفي هذا الصدد، ينبغي أن تستمر المساعي المشتركة في العمل على سد الفجوة بين الجنسين وتمكين المرأة في جميع أنحاء العالم، بدلاً من ممارسة لعبة "الإشهار والفضح" في محاولةٍ لاختصار جميع القضايا المتعلقة بعدم المساواة بين الجنسين إلى ثقافة واحدة أو دين أو منطقة في العالم.

ورحَّب السفير الجزائري بالسفيرة نائلة جبر، عضو لجنة السيداو، التي كانت مصدر إلهام لمركز جنيف وهي قد شاركت في الكتاب الذي نشره المركز بشأن "حقوق المرأة في المنطقة العربية: بين الواقع والخرافات".

وأشادت السفيرة نسيمة باغلي، السفيرة والمراقبة الدائمة لمنظمة التعاون الإسلامي لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، بمركز جنيف أثناء عرضها لما بذله من جهود لتحسين فهم الحقائق المعقدة لعالم اليوم، بعيداً عن المفاهيم الخاطئة والقوالب النمطية والحلول السريعة. وأشارت أيضاً إلى أن حقوق المرأة في المنطقة العربية سجلت تقدما ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الطريق نحو المساواة والتمتع الكامل بحقوق الإنسان ما زال طويلا.

وأشارت السفيرة باغلي إلى أن النساء المسلمات أكثر عرضة للتمييز والمفاهيم السلبية في إطار المجتمعات الغربية. وكررت التأكيد على أنه غالبا ما ينظر إلى المرأة على أنها في حاجة إلى الخلاص وعلى أنها ضحية وضعيفة وتفتقر إلى الإرادة الحرة. وعلاوة على ذلك، نوهت إلى أن هذه الأشكال من التمييز تفاقمت في حالة النساء المسلمات المحجبات. ووفقا لما أثارته، أفضت الصور النمطية السلبية التي نقلتها وسائل الإعلام إلى وجود هذه البيئة التمييزية.

وذكرت السفيرة باغلي إلى أن النساء المسلمات اللواتي يعشن في بلدان غير مسلمة لن تضعف عزيمتهن للسيطرة على مصيرهن. وأضافت أنه على مستوى منظمة التعاون الإسلامي، اعتُمدت خطة العمل للنهوض بالمرأة في عام 2016 لتشجيع الدول الأعضاء على اتخاذ تدابير للتمتع الكامل بحقوق المرأة. وفي هذا الصدد، اختتمت السفيرة باغلي بيانها مشجعة النساء المسلمات الشجاعات على أرض الواقع اللواتي عزمن على المشاركة بالكامل في المجتمعات وتفكيك كل الصور النمطية ومناهضة التحيز من خلال التعليم والمشاركة في سوق العمل.

وقدمت الدكتورة إليسا بانفي، الباحثة المساعدة في معهد دراسات المواطنة بجامعة جنيف، عرضًا مقنعًا يستند إلى دراسة ومقال شاركت في كتابته بعنوان " إضفاء الطابع المؤسسي على الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام في سويسرا: حظر البرقع والمآذن". وركز العرض الذي قدمته على ممارسة العنصرية على المسلمين عن طريق ظاهرة الإسلاموفوبيا ذات الطابع الجنساني في سويسرا.

وأشارت الدكتورة بانفي إلى أن الخطابات والسياسات المؤسسية المعادية للإسلام في سويسرا قد أدت إلى "اعتبار" المرأة المسلمة "على أنها شخص آخر غريب" لدى التصور العام. وأكدت على أن سويسرا لديها سجل يؤكد على التأخر في إقرار السياسات والصكوك الدولية الساعية إلى تحقيق المساواة وتمكين المرأة، مثل الحق في التصويت (الذي اعتُمد فقط في عام 1971) أو اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (وُقع عليها فقط في 1997).

وفي هذا الصدد، أكدت الدكتورت بانفي أن الحزب الرئيسي الذي عارض النهوض بالمرأة السويسرية أصبح أكثر المروجين تأثيراً على فكرة حظر المآذن. وأشارت إلى أنه نتيجةً لذلك في إطار خطاب السياسي، أصبحت المرأة المسلمة ممثلة في صورة نساء يتعرضن للخطر في دولهن ومعزولات عن مجتمعاتهن المحلية التي تعرضهن للتهديد، في حين كانت المؤسسات السويسرية ممثلة في إطار العلاقة الجدلية كحماة لهؤلاء النساء. واختتمت الدكتورة بانفي بيانها قائلة أن هذا الخطاب المبني على القوالب النمطية للمرأة المسلمة يسعى إلى خلق عدو داخلي، وكذلك خلق حدود داخلية وخارجية للأمة، وزيادة تهميش المجتمعات الإسلامية وإضفاء الطابع المؤسسي على التمييز.

أما الدكتور أمير دزيري، مدير المركز السويسري للإسلام والمجتمع في جامعة فريبورغ بسويسرا، فقد أشار في عرضه إلى أن النساء المسلمات يتم تصويرهن، في الرأي العام الغربي المشترك، كأداة لصراع ثقافي بين الغرب "المنير" والإسلام التقليدي. وأعرب عن أسفه لحقيقة أن معظم النساء المسلمات يُنظر إليهن على أنهن تهديد أو في حاجة إلى الخلاص، وأن استقلاليتهن مازال لا يُعترف به.

وإضافة إلى ذلك، أكد الدكتور دزيري أن المرأة المسلمة أصبحت مركزًا للمقاومة الإيديولوجية في المجتمعات الغربية باعتبار ذلك شكلاً من أشكال الانحراف السياسي، سعياً إلى حجب المسؤولية السياسية عن القضايا الرئيسية الأخرى وتوجيه انتباه الرأي العام إلى مثل هذه الأمور التي لم تكن في الواقع ملحة أو ذات إشكالية. وأشار مدير المركز السويسري للإسلام والمجتمع أيضاً إلى أن واحدة من أكثر القضايا التي تتعرض للتحديات التي تواجهها المجتمعات التعددية في أوروبا في الوقت الحاضر هي على وجه التحديد قضية قبول التنوع الجلي للعيان.

وفي المقام الأخير، وصف الدكتور دزيري ظاهرة حديثة بأنها "مفارقة في الاستيعاب"، مشيرًا إلى أنه كلما حققنا الاستيعاب للمهاجرين على نحو أفضل في المجتمعات، كلما زاد الاعتراض لهن. وفي هذا الشأن، استفادت النساء المسلمات في المجتمعات الأوروبية من التعليم العالي وعرضن مهارات مهنية ممتازة، ومن التناقض التام أنه يُنظر إلى نجاحهن على أنه تهديدٌ، مما يغذي المواقف العدائية تجاههن.

وخلال جلسة الأسئلة والأجوبة، طلب السفير السابق جورج باباداتوس من أعضاء الحلقة النقاشية توضيح موقف الحركات اليمينية في أوروبا تجاه المرأة والمرأة المسلمة على وجه الخصوص. وتساءل أيضاً حول الدولة الأوروبية التي من المرجح أن توظف امرأة مسلمة ترتدي الحجاب. وردت الدكتورة بانفي قائلة إن العديد من الحركات اليمينية قد اتخذت موقفا بشكل واضح ضد حرية المرأة المسلمة، لأنها تستبعدها بعيدا عن الهويات القومية للدول الأوروبية. وأبدت أيضاً ملاحظة مفادها أنه هناك حركات اليمين المتطرف في هولندا على سبيل المثال التي لم تكن في حد ذاتها ضد حقوق المرأة بشكل عام، ولكنها تستخدم وسيلة الدفاع عن حقوق المرأة لممارسة التمييز ضد المرأة المسلمة، وذلك في إطار مفهوم عُرف في الأوساط الأكاديمية باسم "القومية النسائية".

وأشار السفير الجزائري إلى أنه في إنجلترا هناك ضباط الجمارك الذين يرتدون غطاء الرأس أو الشرطة الذين يرتدون العمائم وهم لا يشكلون حدثاً هاماً. وأكد من جديد على أن مركز جنيف قد اتخذ موقفاً يدافع عن حق جميع النساء في أن يتمتعن بحرية اختيار ما يرتدينه ولا ينبغي أن تفرض عليهن الدولة أي قرار سواء لإرغامهن على ارتداء الحجاب أو منعهن من ارتدائه.

ورداً على سؤال المستشار المستقل الذي كان حاضراً في هذا الحدث، شجبت السفيرة باغلي حقيقة أن غطاء الرأس تم التلاعب به في أوروبا كمسألة سياسية من خلال التجمعات الشعوبية وغير المتسامحة.

وأشار سؤال آخر من أحد الحضور إلى التدابير الملموسة التي ينبغي اتخاذها لتوفير قدر أكبر من التسامح ومعالجة أعمال التمييز اليومية ضد المرأة المسلمة. وأجاب دزيري قائلاً إن السؤال يصعب الإجابة عليه، لأنه في المجتمعات شديدة التنوع، كما هو الحال في ألمانيا وسويسرا مازالت فكرة تطبيع التنوع الديني المرئي تمثل تحديًا.

وأخيراً، شددت ممثلة عن "جائزة الحق في المعيشة"، السيدة روث مانورما، على التمييز الكبير الذي تتعرض له النساء المسلمات في الهند.

واختُتمت الحلقة بملاحظة أفادت بأن العولمة تنطوي على التنوع ومن ثم يستلزم الأمر قبولها. وقبلت أوروبا في الماضي المهاجرين وسكانها أنفسهم قد هاجروا. واليوم، أذهلت الهجرة واسعة النطاق من الشرق الأوسط على وجه الخصوص أوروبا، مما أثار مواقف دفاعية وسياسات قومية تهدف إلى إقامة الحواجز. ويؤمل أن يكون هذا الموقف مرحلة انتقالية فقط. وهناك بالفعل حاجة إلى النهوض بالعولمة، ولكن مع إضفاء طابع إنساني عليها وقبول التنوع الناجم عنها واحتضانه.

شارك هذا المقال في

أكتب تعليقًا

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.