تعجِز الكلمات عن الإعراب كما ينبغي عن الألم والكرب اللذين نشعر بهما من جراء الهجمات الشنيعة التي وقعت في نيوزيلندا. وإننا نشارك إخواننا المسلمين آلامهم التي تسبب فيها أولئك الذين دبروا هذه المذبحة الشيطانية في مكان مخصص للصلاة. كأزواج وآباء وأجداد، يمكننا تصور ما تشعر به الأسر المتأثرة بهذه المأساة من ألم ومعاناة. وخلال الأسابيع والأشهر المقبلة، يجب أن نتحد جميعًا لكي نرفع من شأن القيم المتمثلة في التعاطف والاحترام والكرامة وهي قيم تشكل جوهر الاعتقاد الإسلامي المشترك مع أهل الكتاب. وإذا فشلنا في ذلك، فسينتصر الإرهاب.

هؤلاء الدعاة الغوغائيون الذين وضعوا أنفسهم في مقام يعلو على حقوق الإنسان وقوانين الله ليس لهم مكان في عالمنا، مهما كان ضحاياهم أو أيديولوجياتهم. وتعكس أهدافهم الاستقطاب المتزايد للأفراد في جميع أنحاء العالم، مما يفضي إلى نشر الكراهية والخوف وتفاقمها بنقرة واحدة على الفأرة، فضلاً عن بث الفظائع مباشرة لإحداث إثارة عنيفة استمتع بها هؤلاء المتطرفون المجرمون والعنصريون البيض. وإذا كانت العبارة القائلة بأن "الشر لا ينجح إلا عندما لا يفعل الفرد أي خير" صحيحة، فلنرفع أصواتنا على نحو جماعي، مسيحيون ومسلمون على حد سواء، لصد هذه الهجمات والتنديد بها.

فلنبتعد عن الثقافة المغرضة التي تسمح للكراهية بالتسلل على نحو يومي إلى طريقة تفكيرنا في بعضنا البعض. ودعونا نتذكر أن التعاطف وليس العرق هو الذي يخلق المجتمع. ولنركز أفكارنا عوضاً عن ذلك على الإنسانية المشتركة التي تربط بعضنا البعض أكثر من أي اختلافات سطحية.

ونردد كلمات رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن التي تحدثت عن نبذ المهاجرين والجالية المسلمة. وقالت: "هم نحن، ونرد عليها ونقول،" ونحن أنتم".

وهذه اللحظة ليست اللحظة الملائمة للحكم الرشيد فحسب، بل هي لحظة الحوكمة الرشيدة. ويجب أن نواجه الانقسامات التي تدمر عالمنا. وعلينا جميعا أن نعمل معا لهزيمة الكراهية وبث الأمل. وهذه ليست مهمة تنم عن التفاؤل، ولكنها مهمة تنم عن الضرورة.

قد لا نتصالح أبدا مع روح الكراهية التي لا معنى لها والتي غذت هذه الجريمة المهينة. ومع ذلك، نقدم تعازينا الصادرة عن صميم قلوبنا لعائلات الضحايا الذين فقدوا أرواحهم ونقدم دعمنا للناجين الجرحى من هذه الهجمات الذين يكافحون من أجل التعافي من الصدمات الجسدية والعقلية الناجمة عن هذا الهجوم. دعونا نستمد القوة من إيماننا وقيمنا المشتركة. والأهم من ذلك، يجب ألا يُسمح لهذه الهجمات الشنيعة بتغذية اللاإنسانية البغيضة التي تشوب أرواح البعض. وبدلاً من ذلك، يجب أن تعزز صور الموت والدمار هذه تعاطفنا وترفع من شأن إنسانيتنا المشتركة. فبدلًا من الانتقام والتمادي في الأجوبة شديدة اللهجة، دعونا ندعو الآن إلى السلام والتحلي باللباقة والوقوف سوياً متحدين. وبعد قول وفعل كل ما يجب، قد يستنطقنا ضميرنا قائلاً "ما هو الدور الذي أديته؟ هل قدمت المساعدة أم كنت جزءًا من المشكلة؟" لقد حان الوقت الآن للتشبث بمُثُلنا المشتركة وآمالنا والعلاقات التي تربطنا جميعًا، بغض النظر عن المكان الذي أتينا منه أو عن هويتنا. والآن نعمل على التغلب على هذا الظلام وعلينا أن نتذكر، على حد تعبير روبندرونات طاغور، أن "الإيمان هو الطائر الذي يستشعر النور ويغني في الظلام السابق للغدوّ".

وفي ظل هذه اللحظات المظلمة، نود أن نؤكد للحكومة المحبة للسلام وشعب هذه الأمة المثالية أننا جميعاً نيوزيلنديون.

 

*الموقعان هما صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال من المملكة الأردنية الهاشمية والسفير إدريس الجزائري، المدير التنفيذي لمركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي.

 

شارك هذا المقال في

أكتب تعليقًا

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.