21 آذار / مارس 2018، جنيف – شددت مجموعة من خبراء حقوق الإنسان خلال الحلقة النقاشية المنظمة في مكتب الأمم المتحدة في جنيف على أنه لا يمكن أن يترك صانعو القرار مسألة المشردين داخلياً في الشرق الأوسط دون معالجة في سياق أزمة اللاجئين والمهاجرين.

وعُقدت الحلقة النقاشية المعنونة "حماية الأشخاص المتنقلين: المشردون داخلياً في سياق أزمة اللاجئين والمهاجرين" في 21 آذار / مارس 2018 في قصر الأمم بجنيف. وقد عقدت على هامش الدورة العادية السابعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ونظمها مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي ومركز رصد النزوح الداخلي بالتعاون مع البعثة الدائمة للإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة في جنيف.

وكان الهدف من الحلقة هو مناقشة مسألة التشريد الداخلي من منظور عالمي، وتقديم رؤى حول كيفية إدراجها في المناقشات واسعة النطاق المتعلقة باتخاذ السياسات بشأن اللاجئين والهجرة. وتناولت التحديات المتمثلة في حماية الأشخاص المشردين داخليا وضمان العودة الآمنة لهم وإعادة إدماجهم من خلال العديد من دراسات الحالة، بما في ذلك العراق وسوريا. وقدمت أذربيجان رؤى عملية حول الدروس التي يمكن استخلاصها من مساعدة النازحين ودعمهم في حالات النزاع التي طال أمدها.

لا يزال وضع الأشخاص المشردين داخليا في الشرق الأوسط يشكل مصدر قلق كبير

أدى التزايد غير المسبوق في معدل الصراع المسلح والعنف في الشرق الأوسط إلى تفاقم حالة حقوق الإنسان للمشردين داخلياً. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 مليون شخص يعتبرون من المشردين داخلياً مما يتجاوز عدد اللاجئين. وفي عام 2016، ذكرت منظمة IDMC أن هناك 31.1 مليون مشرد داخلي جديد في جميع أنحاء العالم. ويعيش في منطقة الشرق الأوسط ثلث مشردي جميع أنحاء العالم الذين تتصل حالتهم بالنزاع، مما يوضح أن النزوح القسري للأشخاص المشردين داخليا قد أصبح مصدر قلق متزايد للمنطقة.

وذكر رئيس مركز جنيف معالي الدكتور حنيف حسن علي القاسم في كلمته الافتتاحية أن الخطاب المتعلق بأزمة المهاجرين واللاجئين لا يمكن أن يتجاهل وضع حقوق الإنسان للمشردين داخلياً. وتوقع أن يؤدي إهمال حقوق الإنسان والوضع الإنساني للمشردين في البلدان التي تشهد نزوحًا داخليًا واسع النطاق إلى ظهور موجة جديدة من الأشخاص المتنقلين. وقال إن عزل وضع الأشخاص المشردين داخليا في سياق أزمة المهاجرين واللاجئين الدائمة سيفضي إلى "نتائج عكسية بما أن التشريد الداخلي يتقاسم الأسباب نفسها المؤدية إلى ظاهرة الانتقال عبر الحدود". وقال الدكتور القاسم: "يمكن أن يصبح المشردون داخليًا اليوم لاجئين الغد".

ولاحظت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للمشردين داخلياً السيدة سيسيليا-خيمينيز داماري أن التفاعل بين الهجرة وأزمة اللاجئين والمشردين داخلياً يظهر مدى اتصال هذه العناصر ببعضها البعض. وحماية الأشخاص المشردين داخليا هي مسألة أساسية في إطار تنفيذ الالتزامات الدولية لحماية حقوق الإنسان للأشخاص المتنقلين. وخلال زيارتها الأخيرة إلى ليبيا، استُنتج أن الأشخاص المشردين داخليا "كانوا يفكرون في عبور البحر الأبيض المتوسط"، والواقع أن الوافدين الجدد إلى إيطاليا يتألفون بشكل متزايد من النازحين داخليًا من ليبيا.

وفي العراق، أدت الهزيمة العسكرية لداعش إلى النزوح القسري لما يقرب من مليون شخص. وعلى الرغم من إمكانية عودة بعض الأشخاص النازحين داخليا، إلا أن "العديد من الأشخاص النازحين داخليا الآخرين المتأثرين بالنزاع يواجهون ظروف نزوح مطولة في المخيمات المتبقية والمجتمعات المضيفة، وأحيانا منذ بداية نزوحهم"، وذلك على حد قول السيدة خيمينيز داماري في بيانها الذي عُرض من خلال فيديو.

وفي سوريا المجاورة، أشارت السيدة راشيل سايدر، مستشارة مجلس السياسات والمستشارين في المجلس النرويجي للاجئين، من مكتبها في سوريا إلى أن ما يقدر بنحو 2.9 مليون نازح جديد تم الإبلاغ عنهم في عام 2017 فقط. وعاد 600000 سوري إلى مجتمعاتهم الأصلية في محاولة لإعادة بناء حياتهم وبلدهم. ومع ذلك، مقارنة بكل لاجئ سوري أو نازح عاد إلى موطنه في عام 2017، "شُرد ثلاثة آخرين حديثًا". لذلك كان النزوح الداخلي المطول سبباً مباشراً للوضع الأمني المحفوف بالمخاطر والمتقلب في سوريا. وقالت السيدة سايدر "إن المناطق التي من المرجح أن تتأثر بالنتائج هي المناطق ذاتها التي يرجح أن يتجمع فيها النازحون داخلياً في إطار رحلة النزوح طويلة الأمد. وتتلخص التجربة العالمية في أن اللاجئين والنازحين الذين يعيشون لفترة أطول يظلون خارج بلادهم أو مناطق سكنهم، كلما قلت فرص عودتهم".

وقد استكمل ميسر الحلقة النقاشية -المدير التنفيذي لمركز جنيف سعادة السفير إدريس جزائري -هذه الملاحظات التي تشير إلى أنه هناك تضامن أكبر يتم التعبير عنه من أجل معاناة المشردين داخلياً. وكما هو شائع في سوريا، وضع الأشخاص النازحين داخلياً الذين يموتون من "الموت الصامت" ليس أقل قسوة من وقوع الوفيات تأثرا "بما يُثار حول أحداث معينة من ضجة عارمة". وبالتالي، اقترح السفير جزائري في بيانه أنه من الهام الابتعاد عن تسييس القضايا المتعلقة بالمعاناة الإنسانية للمشردين داخلياً.

إنجازات أذربيجان لمعالجة محنة الأشخاص النازحين داخليا يمكن تطبيقها على بلدان في الشرق الأوسط

لجأت الحلقة النقاشية إلى الجهود التي بذلتها أذربيجان لتحديد الحلول الدائمة من أجل تعزيز إدماج النازحين داخل مجتمع أذربيجان. ونتيجة لنزاع ناغورني كاراباخ، نزح أكثر من 600000 شخص من أذربيجان قسراً. وأشار الممثل الدائم لأذربيجان لدى الأمم المتحدة في جنيف سعادة السفير فاقيف صاديقوف إلى أن أذربيجان ترى أن المسألة المتعلقة بالتشرد القسري للنازحين تتطلب المزيد من الاهتمام وإعادة التفكير في النهج المتبعة لمعالجة أسبابها الجذرية.

ويضيف السفير صاديقوف أن أذربيجان تستضيف أكبر نسبة من السكان المشردين داخلياً في العالم بالنسبة لعدد السكان الكامل أي مليون شخص، وهو ما يعادل تقريباً عدد النازحين قسراً في أوروبا. وخلال السنوات العشرين الأخيرة، استثمرت باكو 6 مليارات دولار أمريكي للتخفيف من محنة النازحين داخل مجتمع أذربيجان مما يدل على التزام حكومة أذربيجان بالتعامل مع أوضاع حقوق الإنسان للأشخاص المشردين

ولفت نائب رئيس جامعة آدا، السيد فارس إسماعيل زاده، انتباه أعضاء الحلقة النقاشية والحضور إلى نتائج جهود أذربيجان لإعادة إدماج المشردين داخلياً قسراً. وقد تم التأكيد على أن حكومة أذربيجان جعلت من أولوياتها الرئيسية تعزيز الوصول إلى "السكن الملائم والعمالة وخيارات كسب الرزق والتعليم للنازحين" في البلاد. وفي هذا الصدد، يتم توفير "التعليم المجاني على مستوى الجامعات والمدارس الثانوية" للنازحين في أذربيجان من أجل تعزيز وضعهم الاجتماعي في مجتمع أذربيجان. "واعتمدت حكومة أذربيجان ما يقرب من 400 قرار و35 قانونًا لتعزيز حقوق الأشخاص المشردين داخليا ووضعهم الاجتماعي".

ووُجهت عائدات النفط من أذربيجان نحو مشاريع الإسكان التي تهدف إلى توفير السكن بأسعار معقولة للنازحين بما يتماشى مع تفاني فخامة الرئيس إلهام علييف لمعالجة محنة المشردين داخليا. ويُعفى هؤلاء الأشخاص أيضا "من دفع أقساط الغاز والماء والكهرباء" وتتحمل حكومة أذربيجان تكاليف هذه الخدمات. كما دعمت باكو العودة السلمية وإعادة إدماج النازحين في مجتمعات كانت في يوم ما محتلة. واختتم السيد إسماعيل زاده بيانه مشيراً إلى أن إنجازات أذربيجان في معالجة أوضاع حقوق الأشخاص النازحين داخلياً تنطبق على البلدان التي تواجه نزوحاً داخلياً واسع النطاق مثل العراق وسوريا.

القيادة الحكومية الضرورية من أجل معالجة أسباب النزوح القسري للمشردين داخلياً وعواقبه

على الرغم من أن الاستجابة لاحتياجات حماية الأشخاص المشردين داخليا أمر ذو أهمية حيوية، إلا أن تحديد الحلول القادرة على معالجة الأسباب الجذرية لهذا النزوح القسري يجب أن يحظى باهتمام متزايد. ويتعين على الجهات الفاعلة المعنية اللجوء إلى جهود منسقة وشاملة في تنفيذها للمبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي للتصدي للعوامل المسببة. وأشارت المقررة الخاصة في الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للمشردين داخليًا -السيدة خيمينيز داماري -إلى أنها بعثت رسالة مفتوحة إلى الجهات المعنية -المشاركة في الميثاق العالمي للهجرة واللاجئين -وأوصت فيه بأن يتمكن الحل الخاص بأزمة المهاجرين واللاجئين من معالجة أسباب وعواقب النزوح القسري للمشردين داخلياً.

وذكرت مديرة مركز رصد النزوح الداخلي السيدة ألكسندرا بيلاك أن النزوح القسري للنازحين يجب أن يحظى باهتمام سياسي متزايد.  وقالت إنه “هناك اعتراف راسخ يفيد بأن مسألة النزوح الداخلي ليست مجرد تحدٍ إنساني، بل هي مسألة تحتاج إلى معاملتها على أنها سياسة أساسية تنموية في آن واحد ". ومع ذلك، فإن مسألة حماية ومساعدة الأشخاص المشردين داخليا تقع على عاتق الحكومات السيادية الوطنية التي تجعل النزوح القسري للمشردين داخلياً مسألة داخلية.

وفي هذا الصدد، قالت السيدة بيلاك إن إهمال مسألة التشريد الداخلي بل وتركه جانبا لفترة طويلة "سيؤثر سلباً على الأفراد والمجتمعات والاقتصادات الوطنية". ويجب معالجة التأثيرات الضارة الناجمة عن ظاهرة المشردين داخلياً من خلال منظور الحد من الفقر والتنمية وتغير المناخ والحد من مخاطر الكوارث. وقالت السيدة بيلاك إن الاعتراف بهذه العناصر يمكن أن يجعل الحكومات أكثر ميلاً إلى معالجة أسباب التشرد الداخلي واتخاذ إجراءات لتجنب أن تسود السياسة على التضامن الإنساني والعدالة الإنسانية.

وضم السفير جزائري صوته إلى هذا الخطاب مقترحا أن يحدد صانعو القرار إطاراً مشتركاً لمعالجة محنة المشردين داخلياً. وأضاف "إن الحوار البناء والمفتوح حول الحلول المطلوبة لتعزيز حماية الأشخاص النازحين داخليا في سياق أزمة المهاجرين واللاجئين" له أهمية مركزية. كما دعت السيدة سايدر إلى تعزيز دور الحكومات في معالجة أسباب وعواقب النزوح القسري للمشردين داخلياً. وقالت: "بدون قيادة حكومية قادرة على ضمان احترام النازحين وحمايتهم، سيكون الطريق أطول بكثير لإيجاد حلول دائمة".

واختتم الميسر الحلقة النقاشية مؤكدا على أهمية تيسير تبادل وجهات النظر بين صناع القرار في الشمال العالمي والجنوب العالمي لمعالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك. " إن بناء الجسور وإيجاد لغة مشتركة وتوحيد القوى" هو مفتاح تحديد الحلول المشتركة المتبادلة حول القضايا ذات الاهتمام الأوسع نطاقا. وحضر الاجتماع حول الأشخاص المشردين داخليا سفراء وممثلون آخرون من البعثات الدائمة لمصر والنرويج وأذربيجان ولبنان وجزر المالديف والسويد وأوكرانيا والإمارات والولايات المتحدة والعراق والنمسا وسويسرا وألمانيا وفرنسا وأرمينيا وسلطنة عمان ومالطا والباكستان والأردن ونيجيريا. وكان ممثلو منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة فرسان مالطة حاضرين أيضا.

Share this post

Leave a comment

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.