بقلم: د. حنيف حسن علي القاسم، رئيس مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي

 

19 أغسطس 2017، جنيف -دخلت الحرب في سوريا عامها السادس وأصبحت أسوأ كارثة من صنع الإنسان في العالم. وقد أثرت الكارثة الإنسانية في سوريا على ملايين الأرواح، حيث أُجبر أكثر من نصف سكان سوريا قبل اندلاع الحرب على الفرار، بمن فيهم 6.3 مليون مشرد في الداخل و5.1 مليون لاجئ يعيشون في مخيمات اللاجئين في الشرق الأوسط وأوروبا. وأُزهقت أرواح 000 100 مدني تقريبا بسبب هذا الصراع الدائم الذي لا تلوح له نهاية فورية في الأفق. ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ولمركز رصد النزوح الداخلي، قد نزح 3 ملايين عراقي على الأقل نتيجة للحرب الأهلية في العراق. وتقدر هيئة "إحصاء القتلى العراقيين Iraq Body Count" بأن أكثر من 50٪ من بين نسبة الوفيات المرتبطة بالحرب -عقب غزو العراق عام 2003-هم من المدنيين. في اليمن، تقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 10 آلاف مدني لقوا حتفهم بسبب القتال بين القوات الحكومية اليمنية والمتمردين الحوثيين. وعلاوة على ذلك، تقدر المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حوالي 3 ملايين مدني يمني نزحوا من ديارهم منذ بداية النزاع. ويكشف ارتفاع عدد القتلى في صفوف المدنيين في ظل هذه الصراعات أن المدنيين يتحملون بصورة متزايدة عبء النزاعات المسلحة في المنطقة العربية.

إن موضوع اليوم العالمي للعمل الإنساني لعام 2017 –ألا وهو "المدنيون الذين وقعوا ضحايا في صراعات ليسوا هدفا" –يعيد التأكيد مجددا على الرؤية التي أعرب عنها الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره المؤرخ 10 أيار / مايو 2017 بشأن حماية المدنيين في الصراعات المسلحة داعيا إلى "العمل الجماعي لتعزيز حماية المدنيين في النزاعات المسلحة". وأشار الأمين العام في التقرير نفسه إلى" أزمة حماية عالمية"، ويُعزى ذلك إلى تزايد استخدام القوة ويكون المدنيون في نهاية المطاف الضحايا الرئيسيين لها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشير التقديرات إلى أن ما بين 60-90٪ من الوفيات المرتبطة بالحرب هم في المقام الأول من بين صفوف المدنيين. وأصبح المدنيون الضحايا الرئيسيين للحرب في القرن الحادي والعشرين.

وأدت تجارة الأسلحة في الأسواق السوداء وغير النظامية إلى زيادة ظهور الجماعات العنيفة والمتطرفة في العديد من البلدان في المنطقة العربية. وقد مكنت تجارة الأسلحة غير المشروعة الجماعات الإرهابية من أن تزدهر في البلدان المتضررة من النزاع والعنف. وتظهر الصور المقلقة للبنية التحتية المدنية مثل المدارس والمستشفيات التي تتعرض للقصف في فلسطين وفي سوريا والعراق أن البنية التحتية المدنية يستهدفها المتحاربون على نحو متزايد. وعلى الرغم من أن معاهدة تجارة الأسلحة سعت إلى تنظيم تجارة الأسلحة على الصعيد الدولي، إلا أن عملية تدفق الأسلحة والأعتدة التي صارت في متناول يد الجماعات العنيفة والمتطرفة ما زالت تؤجج الصراعات الدموية في المنطقة العربية بسبب عدم التصديق على المعاهدة من جانب بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

تزدادُ العمليات الحربية والصراعات المسلحة حدةً في المراكز الحضرية في المنطقة العربية، ما لا ينأ الأفراد عن ويلاتها. لقد تغير نمط الحرب الحديثة: فالمعارك التي كانت تُخاض فيما مضى في المناطق غير الآهلة بالسكان مثل شواطئ نورماندي وصحراء العلمين، تُخاض الآن في المراكز الحضرية في غزة والموصل وبغداد وحلب مؤثرةً على حياة الملايين من المدنيين. كما أن استخدام الأسلحة الثقيلة، وما يسمى بالقصف الاستراتيجي واستخدام التكنولوجيات الحديثة مثل الطائرات بدون طيار، قد زاد من احتمال إلحاق أضرار جانبية بالمدنيين أثناء الصراعات المسلحة. وقد أدى الاستخدام غير المتناسب للقوة إلى معاناة هائلة أفضت بدورها إلى إساءة معاملة المدنيين وإلى قتلهم. وقد ظهر مصطلح الأضرار الجانبية كمصطلح مقبول لتبرير الأخطاء والاستخدام العشوائي للقوة.

ومن أجل الاستجابة للحاجة إلى توفير الحماية للمدنيين أثناء الصراعات المسلحة، يقع على عاتق العالم مسؤولية أخلاقية بغية إنهاء الاتجار غير المشروع بالأسلحة والأعتدة التي تؤجج نمو الجماعات العنيفة والمتطرفة. ويتعين على الدول التصديق على معاهدة تجارة الأسلحة والامتثال لأحكامها من أجل إنهاء الاتجار غير المشروع بالأسلحة الذي يقدر حاليا بحوالي 10 مليارات دولار سنويا. وينبغي ألا ينتهي أمر الأسلحة والأعتدة في أيدي الجماعات المتطرفة مثل داعش التي ترتكب جرائم شنيعة تنم عن انعدام الضمير ضد السكان المدنيين في المنطقة العربية.

كما أناشد المجتمع الدولي أن يكفل امتثال جميع أطراف النزاع لأحكامها بغية حماية أرواح المدنيين وفقا للأحكام الواردة في اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المعروفة عموما باسم اتفاقية جنيف الرابعة. إن احترام القانون الدولي يجب أن يوجه تحركات المتحاربين في الصراعات المسلحة. ولا بد أن يدين قادة العالم على نحو موحد الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي تؤثر على المدنيين بغض النظر عن مكان وقوعها. وينبغي ألا يتحمل المدنيون عبء العواقب المدمرة للصراعات العسكرية.

شارك هذا المقال في

أكتب تعليقًا

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.